الشيخ محمد علي الأنصاري
133
الموسوعة الفقهية الميسرة
يخاف منه ، في قولٍ أو فعلٍ ، فيفعل ذلك لدفع الخطر . نعم ، قد تجعل الشريعة أو القانون شروطاً لذلك فينبغي مراعاتها ، كما أنّه قد يرجّحان المقاومة على التقيّة ، لكن ذلك استثناء من القاعدة ، كما سنشير إليه في نهاية البحث . وهذه الغريزة موجودة في سائر الحيوانات أيضاً ، ومن طرق التخلّص من الخطر عند بعضها أنّها تغيّر لون بشرتها بلون التراب ، أو النباتات كي لا يميّزها عدوّها . وهذه الحالة موجودة في بعض الميكروبات وأنواع الوايروس ، حيث تغيّر شكلها لمقابلة الخطر المتوجّه إليها ، وهي العقاقير . بل هي موجودة في بعض النباتات أيضاً . إذن فالتقيّة ليست مخصوصة بالإنسان ، بل هي أمرٌ غريزي موجود فيه وفي غيره من الأحياء إجمالًا . ولأجل ذلك لم يمنع عنها الإسلام ، بل أقرّها وأعذر من عمل بها - كما سيأتي - ودعا إليها لكن بشروطها الخاصّة . وهذه هي طريقة الإسلام في تعديل الغرائز وهدايتها إلى مسيرها الصحيح ، فإنّه لا يتناكرها ، ولا يتركها على حالها . ومع ذلك لا أدري لماذا يتحرّج عنها بعض الناس ، ويتبرّأ منها ، وينسبها إلى طائفة خاصّة من المسلمين ، في حين أنّ المنكر لها يعمل بها ، ولنا كلام حول ذلك يأتي في الأبحاث الآتية إن شاء اللَّه تعالى . مشروعيّة التقيّة : تدلّ على مشروعيّة التقيّة الأدلّة التالية : أوّلًا - الكتاب : هناك عدّة آيات يستدلّ بها على جواز التقيّة إجمالًا ، وهي : 1 - قوله تعالى : « لَايَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً » « 1 » . نهت الآية الشريفة أن يتّخِذِ المؤمنون الكافرين أولياء لأنفسهم ويستعينوا بهم ، ويلتجئوا إليهم ، ويظهروا لهم المحبّة ، والمودّة والملاطفة - كما في آيات أُخر « 2 » - ثمّ قال : « وَمَن يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْءٍ » ، أي من يتّخِذِ الكفّار أولياء من دون المؤمنين ، فليس من أولياء اللَّه . ثمّ استثنى من ذلك مورد التقيّة ، كما إذا كان في مكان يغلب فيه الكفّار ويخافهم على نفسه ،
--> ( 1 ) آل عمران : 28 . ( 2 ) من قبيل : « لَاتَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ » المائدة : 51 ، و « لَاتَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ » الممتحنة : 1 ، و « لَاتَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » . المجادلة : 22 .